|
أمام
منزل الرئيس على قمة أكمة العكابر ،
التقطت الصورة من جانب منزلنا القديم خلال زيارتي لتعز في يوليو 2007
|
أكمة العكابر" اي
الفئران ، تعود ملكيته الى أسرة الباروت ، كنا نمارس من
فوق قمته لعبة الطائرات الورقية ونسميها الصواريخ، حتى عام 76 عندما
بدأت شظايا هذا الجبل الصغير تتطاير في الهواء لتستقر فوق أسطح المنازل
التي تقع أسفله بفعل الديناميت المستخدم لتفتيت القمة من اجل بناء منزل
للرائد / علي عبد الله صالح قائد لواء تعز بدلا من البيت الذي كان
مخصصا كسكن لقائد اللواء والذي يقع في منظقة صاله وتعود ملكيته الى
عبدالرحمن محمد علي عثمان محافظ المدينة والوزير حاليا ( وقد سكن فيه
ايضا علي صلاح الذي خلف صالح في منصب قائد اللواء) ، فما كان من
المتضررين إلا أن سافروا الى صنعاء لمقابلة الرئيس إبراهيم الحمدي في
لقائه الاسبوعي بالمواطنين والشكوى بقائد اللواء الضابط
المغامر والشقي
الذي وضع يده على هذا الجبل الصغير بدون اي وجه حق، وبدا بترويع
الآمنين، فاوقف الحمدي على الفور هذا العبث ، حتى اغتياله في عام
77 ليستأنف مرة أخرى في عهد الرئيس الجديد احمد الغشمي وبطريقة
اعنف من سابقاتها ، فذهبت انا وصديقي لطف المهدي احد افراد الشرطة
العسكرية لنلتقط الصور التذكارية فوق اساسات البناء قبل ان تكتمل
وتتحول الى قصر ممنوع الاقتراب منه او التصوير
اللغة
الجحملاوية
شباب الجحملية
الصّيع اخترعوا لغة خاصة بهم يتكلمونها بإتقان وعندما تنصت إليهم تفهم
بعض الكلمات لكنك لا تعرف معنى العبارة بالكامل، مثال على هذه اللغة
ولكن ليس بالطريقة المتقنة التي كانت تقال بها والتي اعتقد انها انقرضت
اليوم:
آني القيتيل
الليك السيتذاهب الليلاتي الى السيتانم للشيتايهد الفيتيالم
الريتايع
الترجمة: انا
قلت لك سنذهب الى السينما لمشاهدة الفيلم الرائع !
الأسنان
الصدئة
كانت مدينة تعز المدينة الوحيدة في اليمن التي
أسنان اغلب سكانها ان لم يكن جميعهم صدئة وباللهجة العامية تعني
(مذحّله) فكم من فتاة رائعة الجمال ، يذهب جمالها وسحر ابتسامتها مع
لون أسنانها ، وكم من شاب وسيم تضيع وسامته بسبب أسنانه.
عندما
قامت الثورة السبتمبرية
عام 62، افتتح في تعز مشروع مياة كيندي هدية من الحكومة الأمريكية وكان
يعرف بالماء المالح ، نسبة الفلور فيه عالية جدا مما سببت هذا الصدأ، ،
وكان أبناء المدينة يُعرفون من أسنانهم ، ورغم هذا الوضع المزعج إلا ان
تعز استمرت وجهة للكثيرين والانتقال من مناطق أخرى للإقامة فيها غير
مبالين ان كانت أسنان أطفالهم الجديدة بعد سقوط الاسنان اللبنية
المؤقتة ستصبح صدئه ودائمة !، هذا الوضع المزعج لم يجعل ابناء المدينة
يكرهون الثورة والجمهورية ويترحمون على ايام الامامة والملكية التي لو
بقيت ماعرف الصدأ الطريق الى اسنانهم.
لم
نكن نعرف معجون الأسنان والفرشات ومع أننا كنا نأكل كل أنواع الحلويات
، صحيح موجودة في المحلات لكن لا أحد يشتريها فالتوعية ضعيفة ان لم تكن
مفقودة أصلا ، الطريقة المتبعة والبدائية والتي يؤمنون بأنها صائبة هي
تنظيف الأسنان بالفحم او الرماد المخلوط بالملح، انا كان من حظي ان
بجانب منزلنا حنفية مياه يسمونه الماء الحالي ويستمر لفترة محدودة من
الصباح حتى الظهر ولهذا نجوت من لعنة الصدأ باقل الخسائر، وتتم التعبئة
بطريقة الواصل أولا ، وكثيرا ما تندلع المعارك النسوية بسبب التزاحم
وتتلعلع اصوات التنيك كاصوات السيوف في المعارك، الماء في التنكة كان يستخدم
للشرب ، بينما يستخدم الماء المالح لباقي الاحتياجات المنزلية،
مكوى بسبب الكلبة
مليون
بيت عزمان لديهم كلبة اسمها مليون ولا ادري ما
المقصود بإطلاق هذا الأسم والرقم الصعب على كلبه متوحشة، في ذلك اليوم
لم تكن مربوطة ، لحقتني وعظتني ، فأصبت بفجيعة تبعها وهن وخمول ، وبعد
تشخيص حالتي من قبل أهل الاختصاص في الحارة على الطريقة البدائية لم
تكن المداوة بشرب البول
او البول مخلوطا بالشاي كما تعودنا من قبل، بل العلاج هو الكي الذي لم
يكن آخر العلاج كما تعارف عليه بل كان أول العلاج، عند الفجر أخذوني
الى الصوفي لأحصل منه على المكوى الأول في جسمي لتتبعه مكاوي ولأسباب
مختلفة ، بعد سنوات عرفنا قطر الحديد( الفوسفات) كعلاج للفجيعة، أيضا
كان يتم شرب ماء المطر الملوث بالأتربة للتبرك لأنه يأتي من السماء،
وعند الاصابه بجرح عميق او قطع يؤدي الى نزيف الدم يتم ايقافه بتغطيته
بالتراب كاسعاف اولي!
الجهل اكبر عدو وانعدام التوعية اكبر
مصيبة.
يوم ذبح صديقي
نعمان
وأنا
صغير السن يمكن في السادسة من عمري او السابعة، اشترت والدتي خروفا
استعدادا لذبحه في العيد، وعهد اليّ برعيه ورعايته، فأسميته
نعمان لا ادري لماذا اخترت له هذا الأسم الذي سرعان ما حفظه ، وخلال
الشهور القليلة تلك نمت بيننا ألفه وصداقة ، كنت اختبأ فأناديه ويجيبني
باحثا عني بصوته المميز ماءء.. ماءء، ولأني اعتقدت انه حفظ اسمي لذلك
كنت أتخيله يناديني بأسمى: فتحي .. فتوح .. فتاتيحو، وجاء يوم
إعدامه عندما دخل الى بيتنا رجل غريب وبيده سكاكين مختلفة القياسات،
فتوسلت الى أمي ان لا تذبحه، لأنه اصبح أخي وصديقي يؤنس وحدتي ، بديلا
عن أخي وأختي الأكبر مني والبعيدين عنا!، كنت افهم معنى العيد ، لكن لا
افهم معنى الأضحية كيف تجتمع الفرحة مع الحزن والدم، وتم ذبح نعمان
وشعرت كما لو كانت السكين ذبحتني انا، ومن يومها لا أكل لحم أي شئ اذا
ذبح أمامي. في تلك السن كنت احب أيضا تربية القطط ، بعد
انتقالنا الى صنعاء في عام 81 وأنا في الجامعة كان معنا قطة سوداء
ساحرة تولينا تربيتها من وهي في اللفة حتى صارت عروسه وأسميناها بوسي،
كانت تذهب الى الحمام ، ولا تأكل اللحم حتى نعطيها ، وكانت تشاركني
السرير، نظيفة في كل شئ، صحيح في بعض البيوت قطط ولكن ليس مثل بوسي
،بمجرد انتهاء البث التليفزيوني تذهب الى أحد أفراد الأسرة ليفتح لها
الباب لتخرج للتنزه في ساعة متأخرة من الليل حتى لو حاولنا
مغالطتها بفتح جهاز الفيديو سر عجيب!، وعندما تعود تنادي من
الباب او تطرق النافذة لنفتح لها الباب، وأي قط معجب بها ويأتي
لمغازلتها أمام البيت تكشر أنيابها وتخرج مخالبها وتطرده. وذات يوم
ناديتها فتجيبني ولا تأتي ، واكرر المناداة وتكرر هي الإجابة ، فاعتقدت
أنها مريضة وفي الأخير جاءت اليّ وفي مؤخرتها نصف قط في الخارج وباقي
جسمه في الداخل فقد كانت تلد، ولأنني لا اعرف لغة القطط فقد كانت تقول
أنني أسمعك لكن لا أستطيع أن آتي إليك فأنا ألد الآن ، تعال أنت اليّ
يا أيها الكسول .
اصطياد عصفور
وتأنيب الضمير
عندما كنا نذهب لاصطياد العصافير بالنبلة التي
نسميها باللهجة اليمنية ( المخمي) ، كنت انا الفاشل الوحيد فأتعرض
للتوبيخ والمعايرة من الشلة ، وكان ذلك يحز في نفسي ، وذات يوم
شاهدت عصفورا على غصن شجرة قريب مني حتى أكاد امسكه بيدي حيا ، فشديت
بكل قوتي وضربته حتى خرجت الحصوة من جسمة ، فشعرت في نفس اللحظة بنشوة
الانتصار واثبات الجدارة امامهم باصطيادي له عن بعد وبمهارة عاليه،
زورت الحقيقة لاني كنت لوحدي، لذا فاقول مااشاء ، لتبدأ بعدها عملية تأنيب
الضمير والحزن ولم اكن اعرف ان كان عصفورا ام عصفورة ، كل ما كنت أفكر
فيه ان عنده او عندها أطفال منتظرين العودة بالطعام بفارغ الصبر، كان
في بالي دائما حالة اليتم المبكر التي عندي ، ولانني كنت الوحيد بين
أقراني اليتيم ، وحالة الصيد تلك كانت الأولى والأخيرة في حياتي.
هذا الأب العن أبوه !
لا أزال أتذكر
أبيات هذه الأنشودة في فضل الأب والتي كانت منتشرة في تلك الفترة
أواخر الستينات، وكان البيت الثالث منها يسبب لي لخبطة وحيرة ،
فلقد حفظتها من خلال السمع كما هو حال الاطفال، تقول أبياتها:
يا ربنا يا ذا الكرم يا واهب كل النعم
هذا الأب نعم الأبُ
من أجلنا كم يتعبُ
أمي التي احبها
من مثلها في فضلها ... الخ
فكنت اصل الى عند البيت نعم الأب والفظه على انه
العن أبو ! فاستغرب لماذا نلعن الأب الذي يتعب من أجلنا ، ولم اجهد
نفسي في سؤال المدرس لأن العودة الى النص في كتاب القراءة للصف الأول
او الثاني الابتدائي صعب فلم نكن في تلك السن نستطيع القراءة بشكل
جيد
لمعرفة الخطأ وتفهم المعاني، وعندما ذهبت مع الأطفال الذين
يصغرونني او يكبرونني قليلا الى برنامج الأطفال في إذاعة تعز وكان مقدم
البرنامج عبد الله شمسان الذي لم يكن ينطبق عليه وصف بابا او ماما النسونجي بسبب مغامراته
النسائية، الوحيد الذي كان ينطبق عليه بحق وحقيقة وصف بابا الأطفال هو
عبد الرحمن مطهر ، أتذكر أنني قرأت بعد سؤالي عن اسمك يا شاطر ولما
تكبر ناوي تكون ايش
وكانت تتوزع الأماني بين الدكتور والطيار والضابط، قرأت مشاركتي
على ذلك الشكل أي بلعن الأب وبحسب إلقاء الأطفال بالطريقة المعروفة
الاقرب الى الصراخ وضع شمسان يده على فمي قبل الانتهاء منها، خلاص
كفاية وشكرا يا شاطر اللي بعده!
|
عام 76 وتظهر السوالف
المزيفة
|
هوايات وعادات طفولية غريبة
،
كان من عاداتي الغريبة وهي
ايضا عادة الاطفال من هم في سني وضع العملات النقدية المعدنية المعروفة
بالبقش والمصنوعة من النحاس في الفم غير عابئين بالميكروبات والاوساخ
والجراثيم من جراء تنقلها بين الايدي،وكان يدفعنا لذلك طعم مادة النحاس
اللذيذة والتي هي اقرب الى الصدأ، اضافة الى اشعال عيدان الكبريت ومضغ
الدخان واكل قمتها وهذه اعتقد بل اكيد كانت عندي وحدي ، وعشية الاعياد
اقوم بشم الجزمات الجلدية والقميص والبنطلون وهذه اعتقد انها كانت ايضا
موجودة لدى الاطفال وخاصة ليلة العيدبانتظار صباحه لأننا لم . نكن نعرف
الملابس الجديدة الإ في الاعياد. ،وكنا ايضا نستعجل ان نكبر، وكان
مقياس هذا من وجهة نظرنا المحدودة جدا ظهور الشعر في الوجه اي الشارب
والذقن، ووضع النظارات على العيون ، فكنا نحلق هاتين المنطقتين بمكائن
حلاقة سبق الحلاقة بها بقوة حتى تسيل الدماء معتقدين ان الشعر سيظهر،
ولم نكن ندري ان الذي يرتدي النظارة الطبية لولا قصر نظره لتمنى الا
يلبسها، مع موضة السوالف الطويلة في فترة السبيعينات ولما لم يكن الشعر
لدي كافي اعمل سوالف طبيعية قمت باستعارة شعر من منطقة حساسة في جسمي
والصقتها على الخدين بالصمغ وطيران الى الاستديو لالتقاط صورة للذكرى،
بعد ذلك اصبحت الموضة الشعر الافرو والسوالف على شكل بوتي ، ووقتها
اصبح لديّ الشعر الكافي فاطلت شعر الراس حتى غطى على عيوني ، وعملت
سوالف على شكل بوتي معتبر !
الدار الصفراء مسرحا للمواجهة بين
القومية والتحرير
|
مع د. نجيبة عبد الله عبد الغني الثانية من اليمين في
إحدى دورات الرعاية الصحية
الأولية
|
ذهبت مع من ذهب الى الدار الصفراء التي تعود
ملكيتها الى رجل الأعمال عبد الله عبد الغني الشوافي ويقيم فيها عبد
العزيز باوزير ( من قيادة الجنوب، لديه من الابناء اثنين جميل في جبهة
التحرير وفيصل في القومية )، ومحمد سعيد باشرين والفلسطيني عبد الرؤوف
نجم الدين مدير مدرسة الشعب ، وزوجته ام عصام مديرة معهد المعلمات وكنت
اعرف ابنه هيثم وابنته سهير ، لمشاهدة آثار الدماء على الجدران من
الداخل الناتجة عن مقتل عضو في جبهة التحرير، وكنت اسأل نفسي ما الذي
يجرني وانا في هذه السن الصغيرة الى أحداث كهذه اكبر من سني وعقلي، وكنت اسأل
نفسي ما معنى قومية وما معنى تحرير، ولماذا يقتل اعضاء القوميةاخوانهم
في التحرير والعكس؟! إجابة عرفتها عندما
كبرت.
تحميض فيلم
عندما انتقلت
للدراسة الابتدائية في مدرسة الشهيد احمد الثلايا وكنت في الصف الأول
الابتدائي الشعبة دال تعرفت على عبد الحكيم المنصوب ابن مدير الخزانة
بتعز ، وصارت بيننا صداقة قوية وكان منزلهم مفتوحا لي كأني أحد أفراد
الأسرة، حتى عندما انتقلوا الى الفيلا الضخمة ، ظل حكيم إنسانا عاديا
بسيطا، استأجر منهم الطابق الأسفل المرحوم محمد الخالدي الذي اصبح في
ما بعد السكرتير الخاص للرئيس علي عبد الله صالح ومنافسه في بناء
القصور ، استمرينا مع بعض الى الانتهاء من المرحلة الإعدادية ، فانتقلت
أسرته الى إب عندما عين والده كوكيل للمحافظة، فافترقنا عام 75
،والتقينا بعد سبع سنوات عندما زارني للاطمئنان عليّ بعد الحادث الأول
الذي تعرضت له عام 82 (الصورة)، ثم عدنا وافترقنا عام 88 عندما ذهب
لدراسة الماجستير والدكتوراه في مصر ، والتقينا عام 2002 عبر الهاتف
والرسائل وعدنا وافترقنا من جديد حتى الآن!
ونحن في سن السابعة أو الثامنة فكرت أنا وحكيم أن
نعتمد على أنفسنا ونقوم بتحميض الفيلم الذي انتهينا من تصويره ،
العملية سهلة فالتحميض يأتي من كلمة حامض ، سألنا أنفسنا؟، لذا فما
علينا إلا أن نحضر الليمون ونعصره ، وزيادة في نجاح العملية رأينا أن
طعم النجاتيف الذي يخرج من الاستديو مالح، فأضفنا الملح ، واحترنا كم
نتركه، وبعد ساعات كانت النتيجة لا تسر لا عدو ولا صديق؟!
حكيم أثناء
عمله كمعيد في كلية التجارة عام87 سجن في مبنى المخابرات بتهمة تمس
نزاهته وأمانته العلمية، ثبتت براءته في ما بعد، وعندما علمت بوجوده في
مبنى السجن بدار البشائر( قصر الإمام السابق محمد البدر) اصطحبت معي
نشوان ابن الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي والطالب عنده في الكلية
وذهبنا لزيارته، وبدلا من أن تأتى زيارتنا بالناتج الإيجابي أتت بعكسه،
فقد توقعت أن نجد أحد محبي هذا الزعيم الوطني الكبير فتخفف الضغوط عليه
فإذا بها تزيد ، حيث اخضع لاستجواب آخر عن مدى معرفته بنشوان وعائلة
الحمدي،
الدكتور عبد
الحكيم لم يكن يعتمد على والده لا وهو مدير فرع الخزانة ، ولا وهو وكيل
محافظة ، فالمرحوم عبد الرحمن المنصوب كان يستطيع ان يرفع سماعة
الهاتف ويتصل مباشرة بأكبر مسؤول في البلد وفي المقدمة صديقة الرئيس
علي عبدالله صالح! ، وعدت والتقينا انا والاستاذ الدكتور حكيم وقد اصبح
عميدا لكلية الاقتصاد والعلوم الادارية بجامعة اب ، هاتفته فلم يصدق
خلال دقائق كان عندي في الفندق وهات يااحضان وعناق ، حكيم لايزال هو
نفسة كما تركته وكما عرفته من قبل لم يتغير فيه اي شئ مرحة قفشاته
الضاحكة عقله الكبير طيبته وكرمة ، الساعات القلية التي قضيتها معه
حاولنا ان نستغلها ونستغل فيها كل ثانية ، وتاثر عندما علم بانني لن
استطيع ان ابقى في مدينة اب ليوم اخر ، فقد كان علي استكمال زيارتي انا
وافراد عائلتي لمدن اخرى ، حتى تعز التي ولدت وقضيت قسما كبيرا من عمري
فيها قضيت فيها ساعات معدودة ، فقد كان عليّ العودة الى صنعاء في تاريخ
معين ، ثم المغادرة الى مدن اخرى
اليتم المبكر وحارة الأغنياء
والناس الهاي
كما ذكرت
سابقا فقد فقدت والدي وأنا طفل، وفي الفصول الأولى للمرحلة الابتدائية
، كنت أراقب الأطفال الذين يأتي احد افراد اسرهم لأخذهم الى
بيوتهم لم اكن اتخيل هذا الشخص حتى ولو كان صغير السن الا اباً،
واشعر بأنى انا اليتيم الوحيد ، امشي وحيدا الى بيتنا لمسافة تصل الى
عشرين كيلومتر، اقطعها بين البساتين والسايلات
(جمع سايلة
مجرى مياه الأمطار) والهضاب، وفي مرحلة متقدمة من العمر كنت اذهب
الى حارة الأغنياء وتسمى حي هائل سعيد أنعم ( نسبة لرجل الاعمال
المرحوم هائل ) او حي الشماسي ، وأطلق لأحلامي العنان بين البيوت
الفخمة ، فقد كان بيتنا بسيطا مثل أي بيت أسرة فقيرة، اذا انهمر المطر
بغزارة تسقط أجزاء من السقف على رؤوسنا ، ذات يوم وفي ساعة
متأخرة من الليل انزوينا انا ووالدتي في جانب من الغرفة بعد ان
سقطت اجزاء من السقف وانتشرت المياة في كل أنحاء الغرفة ، وكنت أناجي
الله من إحدى الفتحات على لمعان البرق كما لو كانت برقية هامة وعاجلة
واسأله لماذا يارب؟ حتى توقف في الصباح ، واذا جاء السيل ينال
بيتنا نصيبا منه ، من حولنا الثعابين والفئران ، والبلاليع ، والنزاعات
التي لا تنتهي وتتحول الى عراك بالأيدي والخناجر والحجارة بين
البيوت المتجاورة، واغلبها على أسباب تافهة، جاءتني فرص كثيرة للانتقال
الى نمط آخرمن الحياة، ولكني كنت أجد نفسي مشدودا الى
الحياة البسيطة والمعاناة، وبعد ان أعدنا بناء المنزل على النمط الحديث
، أجرناه في البداية لسنوات لأننا كنا قد انتقلنا الى صنعاء ثم بعد
القسمة مع اخوتي اصبح من نصيبي ، وبعته في ما بعد و صرفت جزءا من قيمته
على علاج أختي في الأردن من العقم عام 92 ، لترزق بطفلها الوحيد
احمد ، وباقي المبلغ على علاج والدتي في الأردن والعراق وسوريا عام 94 من
الجلطة الاولى، واصبحت ربي كما خلقتني، كما كنت امشي مسافة طويلة على
الاقدام للذهاب الى مستودع في المدينة يبيع لعبة الليجو التي يستطيع من
خلالها الطفل عمل أشكال ونماذج كثيرة ، بيوت ، سيارات ...الخ وأقف أمام
فترينة العرض لساعات فقد كنت بسبب سعرها الغالي لا اقدر على شرائها ،
والمهم الإحساس بأنها ليست لي بل لأطفال الأغنياء، مع أنى ومن خلال لبسي ومظهري
لم يكن يبدو عليّ الفقر ، أولادي يستغربون شرائي لهم دائما هذه
اللعبة!. كنت احرص عندما اذهب للتصوير ان البس الكرافتة (ربطة العنق)
الموجودة في الاستديو ، الآن لا استسيغ الكرافتة إلا اذا كانت المناسبة
تتطلب لبسها، ولديّ ساعة ، ومن يلبس ساعة في ذلك الوقت يعتبر من
المحظوظين ، اما يتصور بوضع اليد على الخد لتظهر الساعة، او عندما
يتكلم يلوح بيده التي عليها الساعة في جميع الاتجاهات لكي يراها وينتبه
لها من حوله فيباركون له على النقلة النوعية الكبيرة في حياته ، وكانت
الماركات المشهورة في تلك الفترة الصليب( ويست اند سويس) والرومر
والجوفال والاورينت والسيكو
والرولكس في المقدمة، واغلبها تعمل بالشد وبعد فترة نزلت الى
الاسواق ساعات قيل انها تعمل بالدم فخاف كُثر من شرائها لانها ستستنزف
دمهم وممكن بعد ذلك ان تتسبب هذه الساعات بدنو ساعتهم والحكاية ببساطة ان هذه
الساعات والمكتوب عليها اوتوماتيك بها نصف قرص عند الحركة يدور تلقائيا
فتتم التعبئة وطبعا عندما لاتستخدم لفترة طويلة لا تعمل ولهذا صدقوا
حكاية انها تعمل بالدم
ولانهم لايجيدون الانجليزية فلذلك لايعرفون معنى
اوتوماتيك!
راسب بمادة ويبقى في صفه
قادني حظي العاثر ذات ليلة وكنت في الصف الخامس
بمدرسة الخير الابتدائية التي لم تكن خيرا لي ، ان شاهدت بعض الطلبة
يحاولون تسلق السور المقابل لإدارة المدرسة لمشاهدة المدير احمد
القيّري المربي الفاضل ومعه مجموعة في لحظة انس وفرفشة مع
بنات لعلهن طالبات او
قريبات طالبات، وعندما أحسوا بنا ، تدافعنا ولا جنود الصاعقة هربا ولكن
القيّري النمس لمح الفاشلين في الهرب وكنت واحدا منهم، فبدأ العقاب على
يد عبد الكريم السراجي مدرس مادة الرياضيات ( اصبح اخوه خالد صديقي في
مابعد ولم افتح الموضوع معه او اطلب مواجهة اخوه الاكبر عبدالكريم خاصة
بعد دخولي مجال الصحافة ولكون الموضوع برمته اصبح في الماضي يعني
ذكريات وذكريات مؤلمة ) يمكن كان ضمن الشلة في تلك الليلة الماجنة التي
كانت فيها أبواب المدرسة مغلقة من الداخل ، كان يناديني وهو يدعوني
للحضور الى عند السبورة لحل مسألة معقدة في الرياضيات ب"أبو الفتوح "
ثم ينهال بعصاه بدون رحمة على يدي في الوجه والقفا حتى كرهت مادة
الرياضيات، وجاء يوم تسلمنا الشهادة التي سلمت لنا مقلوبة ودائرة حمراء
على مادة الرياضيات ، وبالقلم الأحمر راسب ويبقى في صفه ، ولتكون
المدرسة الوحيدة في عموم اليمن بل والعالم اجمع التي تقوم بذلك،
فالراسب والباقي في
صفه هو من تكون عنده
رسوب في ثلاث مواد واكثر وقد ضربني اخي عبدالرحمن بقسوة وبلا رحمة. مضت
العطلة الصيفية وذهبت في بداية التسجيل للعام الدراسي الجديد الى
إبراهيم زبيبة مدير مدرسة معاذ بن جبل الابتدائية فحكيت له قصتي ، فأمر بعقد
امتحان لي في مادة الرياضيات ونجحت والتحقت بالصف السادس ، وطز فيك يا
قيّري وطز فيك يا سراجي
الكابتن
الأستاذ/ عبد الله العسولي
عام 73
وانا في الصف السادس المرحلة الابتدائية في مدرسة معاذ بن جبل كان مدرس
مادة الاجتماعيات مهاجم النادي الأهلي والمنتخب الوطني عبد الله
العسْولي بيليه اليمن ، من حبنا للعسْولي حبينا المادة وحصلنا على اعلى
الدرجات انا حصلت على 58 من 60، العسولي صدمته سيارة مسرعة بينما كان
جالسا أمام منزله في حي الجحملية ، أصيب بعدها بحالة اكتئاب فظيعة الى
ان انتحر بحرق نفسه.
بعد
انتهائي من الدراسة الجامعية وفي سنة التدريس الإلزامي في مدرسة معين
اخترت تدريس مادة الاجتماعيات الى جانب عملي كإداري ، وفي إحدى
الزيارات لموجه الوزارة طلب مني جميع نماذج الامتحانات التي وضعتها فقد
كانت بنظام تعدد الاختيارات ، وتتناول القضايا الوطنية والقومية
والإنسانية في اليمن والعالم ، وجاء امتحان الشهادة الابتدائية العامة
لعام 89/ 90 نصا وروحا من نماذج الأسئلة التي سبق ووضعتها ، مع اندهاش
مدير المدرسة الذي ما أن قرا الأسئلة حتى صاح أنها نفس أسئلة فتحي،
وحققن طالبات الصف السادس اللائى كنت أدرسهن أعلى الدرجات،
في
مدرسة معين كان الصف السادس بنات الصف الوحيد الهادئ عندما يكون في حصة
الاجتماعيات ، أول يوم تدريس كان الفصل ولا سوق عكاظ ، فاخترت أول
طالبه مشاغبة تدعى أسمهان الزبيدي التي على يساري في الصورة، وضربتها
على يدها بالعصا فبكيت هي وزعلت انا وكنت كالزوج الذي يذبح القطة امام
زوجته من اول يوم،
فدب الذعر في باق الطالبات ، ومن يومها والفصل في هدؤ وإنصات
وكأنه مقبرة ، الى ان جاء يوم توديعي لهن بكلمات مؤثرة ، وطلبت
المسامحة على قسوتي في اليوم حتى كدت ابكي معهن الأول من العام الدراسي
، فأجهشن بالبكاء ولتكون
المرة الوحيدة في سماع نحيبهن الى خارج الفصل. طوال العام درستهن سياسة
ووطنية ووحدة يمنية وثقافة عامة، وكانت طريقة تدريسي مختلفة عن الباقين
مما دعا إحدى المدرسات في المدرسة الآنسة الغرباني الى حضور إحدى حصصي
متنكرة بعد ان أخبرتها أختها الطالبة عندي بطريقتي وأسلوبي ويمكن كل
حركاتي في الفصل ومنها كتابتي على السبورة بيدي اليمني واليسرى وتقليد
اللهجات اليمنية المختلفة وتقليد الاصوات، وعندما اكتشفت ذلك شعرت
بالارتباك ، ووقفن معي في مواجهة المعسكر المعارض فقد كان في المدرسة
معسكران معسكر المدرسين بعد الثانوية بقيادة ناصر القدسي ورضوان القدسي
وسمير سلام ومعسكر المدرسين بعد الجامعة بقيادة خالد الجرادي وانا ،
اما الجامعي عبدالولي الرعدي فقد كان يضع رجلا عندنا والاخرى عندهم! ،
اكثر الطالبات وقفن معنا وانا تحديدا، مما دعا هناء هاشم الذكية
والمتميزة التي تقف على يميني في الصورة الى مصارحتهم بأنها تكرههم
لأنهم يكرهونني .
مدارس تعز واللغة الإنجليزية
للبنات
انتقلنا
من المرحلة الابتدائية الى المرحلة الإعدادية فكان أول شي علينا تعلمه
الحروف الهجائية للغة الإنجليزية ، فظهرت مشكلة عند الوصول
الى حرفي أس تي